إنجي فواز – مديرة المنتج في فينارا
على مدار الجزء الأكبر من العقد الماضي، تركز السرد حول الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي على تطبيق واحد ظاهر للعيان: روبوتات خدمة العملاء. ورغم أن الدعم الحواري على مدار الساعة يمثل قيمة حقيقية، فإنه لا يعد كونه قمة جبل الجليد.
تحت السطح، تواجه الصناعة المصرفية أزمة وجودية مدفوعة ببنى تحتية متقادمة وسير عمل يدوي عالي المخاطر. ويتغير هذا السرد بسرعة. لم يعد الذكاء الاصطناعي مشروع ابتكار “ترفياً” يُعرض في التقارير السنوية، بل أصبح مكوناً حاسماً من مكونات البنية التحتية اللازمة للبقاء في مشهد مالي يتسم بالآنية، والاعتماد الكثيف على البيانات، وقلة التسامح مع الأخطاء.
القاتل الصامت: مخاطر العمليات اليدوية
في عصر المدفوعات الفورية، لا يزال قدر هائل من العمليات المصرفية المحلية والعالمية يعتمد على التدخل اليدوي. غالبًا ما تسد فرق العمليات الفجوات بين الأنظمة غير المتصلة باستخدام المعاملات الورقية، وجداول “إكسل”، وسلاسل البريد الإلكتروني. هذا الاعتماد على المعالجة اليدوية ليس مجرد عدم كفاءة، بل هو مصدر عميق للمخاطر التشغيلية.
إن الأخطاء البشرية، بدءاً من إغفال فحوصات الامتثال وصولاً إلى تناقضات إدخال البيانات يدوياً في ملفات التسوية، تكبّد الصناعة مليارات التكاليف سنوياً.
وبعيداً عن أخطاء التنفيذ، هناك خطر حرج يتمثل في الاعتماد على الخبرة البشرية لاستمرارية الأعمال. فعندما تعتمد سير العمل المعقدة على معرفة غير موثقة لأفراد محددين، تواجه البنوك خطر الشخص المحوري حيث يمكن للموظفين الاستقالة أو المرض أو الخروج في إجازة، مما قد يؤدي إلى توقف العمليات الحيوية. إن تعطل عملية يدوية بسبب سفر مدير مسؤول هو “فشل نظامي”. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي ليحد من هذه الثغرة عبر “مأسسة المعرفة”، حيث يلتقط المنطق وأنماط اتخاذ القرار التي كانت توجد سابقاً في عقول البشر فقط، مما يضمن استمرار قدرة البنك على العمل بغض النظر عن توافر الأفراد.
يعالج الذكاء الاصطناعي هذه الثغرة من خلال أتمتة العمليات الذكية وخلافاً للأتمتة التقليدية التي تتبع قواعد جامدة، يستخدم تعلم الآلة للتعامل مع البيانات غير المنظمة، فيمكنه قراءة الفواتير، وتفسير الوثائق القانونية، وتسوية المعاملات المعقدة بسرعة ودقة لا يمكن لأي فريق بشري مضاهاتها. ومن خلال تقليص العنصر البشري في معالجة البيانات الروتينية، لا تكتفي البنوك بخفض التكاليف، بل تقلل “رياضياً” من احتمالية الفشل التشغيلي.
قيود الأنظمة القديمة
إن أكبر تهديد يواجه البنوك التقليدية ليس المنافسين الجدد في مجال التكنولوجيا المالية، بل أنظمتها المصرفية الأساسية بحد ذاتها. فلا تزال العديد من المؤسسات العريقة تعتمد على حواسيب رئيسية وأكواد برمجية كُتبت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة القديمة مستقرة، إلا أنها تفتقر إلى المرونة، مما يجعل إطلاق منتجات جديدة بسرعة أو التكامل مع واجهات برمجة التطبيقات الحديثة التابعة لجهات خارجية أمراً شبه مستحيل.
إن الاستبدال الكامل لهذه المنصات الأساسية يمثل تحدياً تشغيلياً يشبه “استبدال محرك طائرة أثناء الطيران”، وهي مهمة تتسم بمخاطر تشغيلية عالية وتكاليف باهظة.
يعمل الذكاء الاصطناعي كطبقة تحديث بالغة الأهمية. فبدلاً من الاستغناء عن الأنظمة الأساسية واقتلاعها على الفور، تستخدم البنوك برمجيات وسيطة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لـ “تغليف” الأنظمة القديمة. ويمكن لطبقات الذكاء الاصطناعي هذه استخراج البيانات من تلك الأنظمة الأساسية العتيقة، وتوحيد معاييرها، وعرضها على تطبيقات الهواتف المحمولة الحديثة في الوقت الفعلي. علاوة على ذلك، يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن لتحليل وتوثيق ملايين الأسطر من الأكواد البرمجية القديمة، مما يساعد المهندسين على فهم هذه الأنظمة ونقلها بأمان في نهاية المطاف. وبدون الذكاء الاصطناعي لسد هذه الفجوة، تواجه البنوك التقليدية خطر الغرق تحت وطأة ديونها التقنية.
البقاء لا الترف
أصبح الفارق بين مجرد “امتلاك الذكاء الاصطناعي” و”النشأة على أساس الذكاء الاصطناعي” بمثابة الخط الفاصل بين الازدهار والزوال. فالشركات المنافسة في قطاع التكنولوجيا المالية وشركات التكنولوجيا الكبرى الوافدة إلى السوق، تعمل دون أن تتحمل عبء الفروع المادية أو الديون التقنية القديمة. وهي تستفيد من البيانات لتقديم عروض ائتمانية بالغة التخصيص، وموافقات فورية على القروض العقارية، ورؤى تنبؤية للتدفقات النقدية.
بالنسبة للبنك التقليدي، الذكاء الاصطناعي هو السبيل الوحيد للمنافسة في هذا المضمار:
- كشف الاحتيال في الوقت الفعلي: في عالم المدفوعات الفورية، تُعد أنظمة كشف الاحتيال القائمة على القواعد بطيئة جداً. أما نماذج الذكاء الاصطناعي فتحلل أنماط السلوك في أجزاء من الثانية لإيقاف الاحتيال قبل خروج الأموال.
- نمذجة المخاطر الديناميكية: بينما يعتمد التقييم التقليدي على البيانات التاريخية، يعزز الذكاء الاصطناعي هذه القاعدة عبر دمج القدرة المالية والسلوك والبيانات البديلة، مما يسمح للبنوك بتحديد القطاعات المربحة التي غالباً ما تغفل عنها أدوات التقييم الجامدة.
- التخصيص الفائق: يتوقع العملاء الآن أن يعرفهم بنكهم كما تعرفهم منصات “نتفليكس” أو “سبوتيفاي”. والذكاء الاصطناعي هو التقنية الوحيدة القادرة على تحليل بيانات المعاملات على نطاق واسع لتقديم نصائح في الوقت المناسب بدلاً من الترويج العشوائي للمنتجات.
معالجة المخاوف: الثقة، السيطرة، والقابلية للتفسير
رغم الفوائد الجلية، يتردد العديد من القادة المصرفيين في تبني الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بسبب مخاوف مشروعة من خوارزميات “الصندوق الأسود” التي قد ترتكب أخطاءً مكلفة. السيناريو الكابوسي هو نموذج ذكاء اصطناعي يرفض الائتمان بناءً على بيانات منحازة أو يقدم نصائح مالية “وهمية” تؤدي إلى غرامات تنظيمية.
ولضمان البقاء الآمن، لا تسلم البنوك المفاتيح للأنظمة المستقلة بشكل أعمى، بل تتبنى ضمانتين أساسيتين:
- الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI): يتم بناء الأنظمة الحديثة لـ “توضيح آلية عملها”. فبدلاً من إعطاء درجة ائتمانية فقط، توفر النماذج أوزان المتغيرات المحددة (مثل نسبة الدين إلى الدخل) التي أدت للقرار، مما يضمن الامتثال لقوانين الإقراض العادل ويسمح لمسؤولي المخاطر بمراجعة منطق الآلة.
- العنصر البشري في الحلقة (HITL): في القرارات عالية المخاطر، يعمل الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد طيار” وليس “طياراً آلياً”. في هذا النموذج، يقوم النظام بمعالجة البيانات وتقديم التوصية، لكن يجب على خبير بشري مراجعة الإجراء النهائي واعتماده، مما يضمن بقاء السلطة والمسؤولية في يد البشر.
النجاح في الواقع: نموذج "جي بي مورغان تشيس"
إذا كان الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي يبدو أمراً نظرياً، فانظر إلى كيف يتعامل بنك “جيه بي مورغان تشيس” مع هذا التحول باعتباره ضرورة تشغيلية حتمية. فمتجاوزاً بكثير مرحلة البرامج التجريبية المبكرة، قام البنك مؤخراً بنشر منصته الخاصة للذكاء الاصطناعي التوليدي (والتي تُعرف باسم حزمة النماذج اللغوية الكبيرة)، لتشمل مائتي ألف موظف في غضون ثمانية أشهر فقط.
هذا ليس مجرد روبوت دردشة بسيط، بل هو منظومة متكاملة تربط الذكاء الاصطناعي ببيانات وسير عمل الشركة بالكامل. وبات المصرفيون الاستثماريون يجهزون العروض المعقدة في 30 ثانية، وتوفر الأداة ما يقدر بأربع ساعات من الإنتاجية لكل موظف أسبوعياً. ومع وجود أكثر من 450 حالة استخدام قيد الإنتاج، لا يكتفي البنك بخفض التكاليف، بل يضع المعيار لما يجب أن تكون عليه المؤسسة المالية المتصلة بالذكاء الاصطناعي.
هذا هو مقياس “البقاء” الفعلي: البنوك التي تفشل في تبني الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة ستجد نفسها قريباً في منافسة ضد قوى عاملة تعمل بشكل أسرع وأرخص وببصيرة أعمق، مما يجعل العمليات التقليدية شيئاً من الماضي.
الخاتمة
انتهى عصر الذكاء الاصطناعي كـ “رفاهية رقمية”. نحن ندخل مرحلة “التصنيع الشامل”، حيث أصبحت نماذج تعلم الآلة ضرورية لعمل البنك تماماً كما كانت الخزائن الحديدية في الماضي. إن مخاطر الخطأ اليدوي وعبء الأنظمة القديمة أكبر من أن تُحتمل في اقتصاد رقمي. بالنسبة للقادة المصرفيين اليوم، لا يهدف تبني الذكاء الاصطناعي النظامي إلى “البقاء في الصدارة” فحسب، بل يهدف إلى ضمان وجود “طريق” يسيرون عليه غدا.
مراجع
- AI News. “JPMorgan Chase AI strategy: US$18B bet paying off.” https://www.artificialintelligence-news.com/news/jpmorgan-chase-ai-strategy-2025/
- FinAI News. “JPMorgan’s AI-driven LLM Suite yields 4 hours of productivity per employee each week.” https://finainews.com/banking/jpmorgans-ai-driven-llm-suite-yields-4-hours-of-productivity-per-employee-each-week/