إعداد: يسري الملاّح، مدير أول، هندسة الخدمات
البنوك لا تعاني من نقص في البيانات، بل تعاني من نقص في البيانات التي يمكنها استخدامها فعليًا في حالات استخدام الذكاء الاصطناع.
وهذا يُعد أحد القيود الحقيقية التي تواجه الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي حاليًا. فالمؤسسات المالية تمتلك سنوات من بيانات المعاملات، وسلوك العملاء، وأنماط الاحتيال، وأنشطة الخدمة، وبيانات المخاطر. والفرصة واضحة، لكن المشكلة تكمن في أن معظم البنوك ما زالت غير قادرة على التحرك بالسرعة الكافية لاستخدام تلك البيانات بشكل آمن وعملي، بمجرد أن تنتقل حالة استخدام الذكاء الاصطناعي من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فالبيانات شديدة الحساسية، أو مجزأة، أو خاضعة لقيود صارمة، أو ببساطة يستغرق الوصول إليها وقتًا طويلًا. وتقدّر McKinsey أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يطلق قيمة تتراوح بين 200 و340 مليار دولار سنويًا في القطاع المصرفي، لكن هذه القيمة لا تتحقق بالطموح وحده
ولهذا السبب تحظى البيانات الاصطناعية باهتمام متزايد. ليس لأنها ملفتة للنظر، بل لأنها تساعد في حل مشكلة عملية. فعدد أكبر من البنوك بدأ ينظر إليها بدرجة أقل باعتبارها مجرد وسيلة للالتفاف على قيود الخصوصية، وبدرجة أكبر باعتبارها جزءًا من منظومة التنفيذ: أي أداة تقلل من تعقيدات الموافقات، وتحسن تغطية الاختبارات، وتجعل التجريب ممكنًا عندما تكون البيانات الحية شديدة الحساسية أو صعبة الوصول.
وبصياغة بسيطة، فإن البيانات الاصطناعية هي بيانات يتم توليدها حديثًا بحيث تحافظ على أنماط البيانات الحقيقية من دون كشف سجلات العملاء الفعلية. وهذا تحديدًا ما يجعلها مفيدة للاختبار، وتطوير النماذج، والتجريب المنضبط.
وتظهر أوضح حالات الاستخدام في مجالي الاحتيال ومكافحة غسل الأموال. ففي كشف الاحتيال، تساعد البيانات الاصطناعية الفرق على محاكاة الأنماط النادرة والسريعة التغير التي لا تظهر بالقدر الكافي في مجموعات البيانات التاريخية. وفي مجال مكافحة غسل الأموال، تمنح البنوك طريقة أكثر واقعية لاختبار الأنماط الرقابية ومنطق المراقبة، عندما تكون الإشارات المفيدة موزعة عبر مؤسسات وجهات قضائية متعددة، لكن لا يمكن مشاركة البيانات الحساسة بسهولة.
كما أن الائتمان واختبارات الضغط يمثلان مجالين مهمين أيضًا. إذ يمكن أن تساعد البيانات الاصطناعية البنوك في بناء مجموعات تدريب أكثر تمثيلًا للمقترضين ذوي السجل الائتماني المحدود أو الفئات غير الممثلة بالشكل الكافي، رغم أنها قد تعيد أيضًا إنتاج التحيزات التاريخية إذا كانت البيانات المصدر ضعيفة. كما أنها تسهّل اختبار السيناريوهات التي تتجاوز القراءة الضيقة للماضي، خصوصًا عندما لا تأتي الصدمات المالية في صور مألوفة.
قبل عام أو عامين، كانت البيانات الاصطناعية لا تزال تبدو موضوعًا تجريبيًا يندرج ضمن بيئات الاختبار المحدودة. أما الآن، فلم يعد الأمر كذلك. فالنقاش ينتقل بالفعل إلى حوارات تنفيذية حقيقية تتعلق بالاحتيال، ومكافحة غسل الأموال، والاختبار، والمخاطر، وحوكمة النماذج. كما أصبحت الجدوى التجارية أوضح مما كانت عليه في السابق: دورات أسرع لإثبات المفهوم، وتغطية أفضل للحالات النادرة، وتقليل فترات الانتظار للحصول على بيانات حية.
لكن لا شيء من ذلك يعني أن على القادة التعامل مع هذا الموضوع بتهاون. فالبيانات الاصطناعية التي يتم توليدها بشكل ضعيف أو التحقق منها بشكل غير كافٍ قد تؤدي إلى ثقة زائفة، وترسّخ التحيز، وتنتج نتائج تبدو أقوى في الاختبارات مما ستكون عليه فعليًا في بيئات التشغيل.
ومن وجهة النظر المطروحة هنا، ما زالت بعض البنوك تتحدث عن توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي كما لو أن القيد الأساسي يكمن في تطور النماذج نفسها. لكن مع الوقت يتضح أن هذا ليس هو التحدي الحقيقي. فالقضية الحقيقية هي ما إذا كانت المؤسسة قد نجحت في بناء طبقة بيانات آمنة، وقابلة للاستخدام، وخاضعة للحوكمة، يمكن للفرق بالفعل البناء عليها. ولن تحل البيانات الاصطناعية هذه المشكلة بمفردها، لكنها أصبحت جزءًا مهمًا من الحل. والبنوك التي ستحقق أكبر قيمة منها هي تلك التي تبدأ بحالة استخدام حقيقية، وتضع لها حوكمة مناسبة منذ البداية، وتستخدمها لحل مشكلة تنفيذية فعلية بدلًا من مجرد ملاحقة توجه رائج.
ما الذي نقوم به بشكل مختلف في فينيرا
في فينيرا، ننظر إلى البيانات الاصطناعية باعتبارها أكثر من مجرد أداة لحماية الخصوصية؛ فهي في الواقع أصبحت المُسرّع الرئيسي لمحرك التسليم لدينا.
الكثير من أعمال الذكاء الاصطناعي في البنوك تتباطأ عند نفس النقطة: انتظار موافقات أمن المعلومات الداخلية قبل أن تتمكن الفرق من الاقتراب من بيانات إنتاجية حتى بعد تنقيحها. هذا الحرص مفهوم، لكنه يخلق تباطؤًا في المراحل الأولى من العمل. نحن نستخدم البيانات الاصطناعية لتقليل جزء من هذا التباطؤ، وتحريك العمل الفعّال في وقت أبكر.
وهذا يمثل جزءًا أساسيًا من الطريقة التي ندير بها مبادرة DOJO Impact Sprints؛ إذ تمنح مهندسينا العاملين في الصفوف الأمامية القدرة على بناء نماذج أولية، واختبارها، وإظهار العائد على الاستثمار لتدفّقات عمل معقّدة قائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي في غضون أيام، وغالبًا قبل إدخال أي بيانات حقيقية للعملاء. الهدف هنا ليس السرعة لمجرّد السرعة، بل الحصول على قدر كافٍ من الإشارات مبكرًا لمعرفة ما يستحق المتابعة والاستثمار.
كما نستخدم التوليد الاصطناعي لاختبار الحالات الحديّة وسيناريوهات الضغط التي قد لا تظهر بالقدر الكافي في مجموعات البيانات التاريخية، لكنها تظل مؤثرة في بيئة الإنتاج. وهذا جزء من ضمان أن الأنظمة ليست مبتكرة فحسب، بل خاضعة أيضًا لحوكمة سليمة وآمنة وقابلة للتوسّع.
بالنسبة لنا، البيانات الاصطناعية ليست تقنية جانبية ولا حلاً التفافيًا لمتطلبات الامتثال؛ بل هي أحد المكوّنات التي تساعد على تحويل طموحات الذكاء الاصطناعي إلى واقع تنفيذي ملموس.
مراجع
- McKinsey research on generative AI value in banking
- FCA, Generating and Using Synthetic Data for Models in Financial Services: Governance Considerations