في عالم اكتساب المواهب سريع الوتيرة، من السهل أن نضيع وسط ضجيج المصطلحات التقنية والشهادات وسنوات الخبرة. نراجع السير الذاتية بحثًا عن الكلمات المفتاحية، ونُخضع المرشحين لاختبارات تقنية صارمة، في سعينا لإيجاد التقاطع المثالي بين المهارة والدور.
لكن بعد عقود من العمل في هذا المجال، توصلت إلى استنتاج أساسي: نحن لا نوظف من أجل سيرة ذاتية، بل من أجل شخص. العنصر الأكثر أهمية في نجاح عملية التوظيف ليس مهارة قابلة للقياس، بل صفة لا يمكن قياسها — إنها **شخصية الفرد**.
إذا كانت المهارة التقنية هي “العتاد الصلب” للمحترف، فإن **الشخصية** هي نظام التشغيل. فمن دون نظام تشغيل قوي وموثوق، حتى أكثر الأجهزة تطورًا ستتعطل في النهاية.
أسطورة الخبير الجاهز للتوصيل والتشغيل
لقد سعينا جميعًا وراء المرشح “الخرافي” — ذلك الذي يحقق كل المتطلبات التقنية. إنه خبير جاهز للتوصيل والتشغيل، مستعد للانطلاق فورًا. ورغم جاذبية ذلك، فإن هذا التركيز قد يكون انحرافًا خطيرًا عن الهدف. المرشح ذو المهارات العالية يشبه ثمرة ناضجة ومثالية — جذابة وفورية ومُرضية. أما المرشح ذو الشخصية القوية فهو كالبذرة الصحية — يمتلك القدرة على النمو اللامحدود، والمقاومة في وجه العواصف، والقدرة على إنتاج أجيال جديدة من الثمار. نحن بحاجة إلى أشخاص لا ينجحون اليوم فحسب، بل يواصلون التطور غدًا.
الأربع التي لا تُعلَّم: ركائز الشخصية
يجب أن نُحوّل تركيزنا نحو تحديد الصفات التي لا يمكن تعلمها في قاعة دراسية أو برنامج تدريبي. هذه هي “الأربع التي لا تُعلَّم” — السمات التي تشكّل مسار الفرد المهني، وفي نهاية المطاف، ثقافة شركتنا:
1. الشغف: محرك التميز
الشغف هو دافع داخلي عميق يتجاوز مجرد الراتب. إنه الفضول الذي يدفع الشخص لاستكشاف ما هو أبعد من وصف وظيفته. يمكنك أن تعلّم أحدهم قواعد لغة برمجة جديدة، لكن لا يمكنك أن تعلّمه متعة حل مشكلة معقدة تبدو مستحيلة. الشغف يجعل التعلم أمرًا حتميًا.
2. الموقف: ميزان حرارة الفريق
الموقف هو الإعداد الداخلي الذي يحدد كيفية استجابة الشخص للإخفاقات والملاحظات والضغوط. إنه إما عنصر مساهم في النجاح أو عامل تآكل داخلي. يمكنك أن تعلّم أحدهم منهجيات إدارة المشاريع، لكن لا يمكنك أن تعلّمه كيف يواجه فشلًا مفاجئًا بعزيمة وعبارة “سأصلح هذا”، بدلًا من “من المسؤول؟”.
3. مساعدة الآخرين (سخاء الروح): باني الثقافة
إنها الغريزة التي تدفع الشخص لرفع الفريق ككل، لا نفسه فقط. إنها الإيمان بأن النجاح الجماعي يتفوّق على الإنجاز الفردي. يمكنك أن تفرض التعاون كسياسة، لكن لا يمكنك أن تعلّم التعاطف الحقيقي أو الاستعداد الفوري للتخلي عن مشروعك لمساعدة زميل يواجه صعوبة. كرمهم أصل له تأثير مضاعف.
4. الرغبة في التعلم: ميزة التكيف
إنها التواضع للاعتراف بما لا تعرفه، والرغبة الصادقة في سد تلك الفجوة. إنها نقيض الرضا عن النفس. المهارات التقنية لها عمر افتراضي — أحيانًا أقل من خمس سنوات. لا يمكنك أن تُعلّم موظفًا مخضرمًا الجوع لتعلم تكنولوجيا جديدة أو تقبل التعلم من خريج حديث. الرغبة في التعلم هي ما يضمن استمرارية مسيرته المهنية واستدامة نجاح أعمالنا.
نبني المستقبل، لا نملأ المقاعد
الكفاءة التقنية هي تذكرة الدخول إلى الحفل — إنها ما يمنحك المقابلة. لكن الشخصية هي ما يحدد إن كنت ستقود الفرقة الموسيقية أم ستتعثر على أرضية الرقص.
المهارات التقنية هي الإطار الجميل والمرئي للمنزل — النوافذ، والسقف، والواجهة الرائعة. أما **الشخصية** فهي الأساس والجدران الحاملة. يمكنك استبدال النوافذ أو إعادة طلاء الواجهة بسهولة، لكن إن كان الأساس متصدعًا — إن كانت الشخصية ضعيفة — فإن الهيكل بأكمله يصبح غير مستقر وسينهار في النهاية.
نصيحتي للقادة هي التالية: عند إجراء المقابلات، خصص وقتًا أطول لطرح أسئلة سلوكية تكشف عن الشخصية. اسأل عن أكبر فشل مرّ به، أو موقف ساعد فيه منافسًا، أو ما يفعله عندما لا يراقبه أحد. وظّف على أساس الأساس. وظّف من أجل الشخص الذي تريد بناء المستقبل معه. وظّف من أجل الصفة التي لا يمكن تعليمها، تلك التي تغذي كل نمو: **الشخصية**. لأن المهارات يمكن تعليمها، أما الروح الفائزة فيجب توظيفها.